ابن حزم
151
جوامع السيرة النبوية
ولما اشتدت الحال وصعب الأمر أتى نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف ابن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسلم ؛ فقال : يا رسول اللّه ، إني قد أسلمت ، وإن قومي لم يعلموا بإسلامى ، فمرنى بما شئت . فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنما أنت فينا رجل واحد ، فخذل عنا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة . فخرج نعيم فأتى بني قريظة ، وكان ينادمهم في الجاهلية ، فقال : يا بني قريظة ، قد عرفتم ودى إياكم ، وخاصة ما بيننا وبينكم . قالوا : صدقت فقال : إن قريشا وغطفان ليسوا مثلكم ، البلد بلدكم ، ولا تقدرون عن التحول عنه ، وقريش وغطفان ليسوا كذلك ولا مثلكم ، إن رأوا ما يسرهم وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم ؛ ولا طاقة لكم بمحمد إن تركتم معه ، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا . فقالوا : لقد أشرت بالرأي . ثم نهض إلى قريش ، فقال لأبى سفيان : قد عرفتم صداقتى لكم ، وبلغنى أمر لزمني أن أعرفكموه ، فاكتموا عنى . قالوا : وما هو ؟ قال : اعلموا أن اليهود قد ندموا على ما فسخوا من عهد محمد ، وقد أرسلوا إليه أن يأخذوا منكم رهنا يدفعونه إلى محمد ، ويرجعون معه عليكم . فشكرته قريش على ذلك . ثم نهض حتى أتى غطفان فقال لهم مثل ما قال لقريش . فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة أربع أرسل أبو سفيان وغطفان إلى بني قريظة : إنا لسنا بدار مقام ، فاغدوا للقتال فأرسل اليهود إليهم : إن اليوم يوم سبت ، ومع ذلك لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا . فردوا إليهم الرسول : واللّه لا نعطيكم فأخرجوا معنا . فقال بنو قريظة : صدق واللّه نعيم . فلما رجع الرسل إليهم بذلك قالوا : صدقنا واللّه نعيم . فأبوا من القتال معهم ، وأرسل اللّه تعالى عليهم ريحا عظيمة كفأت قدورهم وآنيتهم .